خامساً ـ المستقبل

ما الحلول الممكنة؟ أَيجب إيلاء الأولوية لمكافحة داعش؟ هل النظام السوري أهون الشرّين؟

بعد أن كان الخط الذي اتّبعته فرنسا يتمثل في المطالبة برحيل الأسد وبالقضاء على داعش (“لا الأسد ولا داعش”)، بدا أن الرئيس هولند غدا، إثر العمليات الإرهابية التي وقعت في باريس عام 2015، يقدّم القضاء على داعش على الإطاحة بالأسد. وقد أكَّد الرئيس مَكْرون هذا الخط السياسي، مذّكراً في الوقت نفسه بضرورة الانتقال السياسي في سوريا. ويتركز جلُّ النقاش ذي الصلة الجاري في فرنسا على مسألة الأولوية هذه. فهل يصحّ الفصل بين هذين الهدفين؟ من الأكيد أن هذا الفصل لا يصحّ وذلك لثلاثة أسباب على الأقل:

1ــ ثمة منذ البداية تواطؤ موضوعي بين نظام الأسد وداعش. ولا تقتصر أسباب ذلك على أن الجهاديين الذين أطلق الأسد سراحهم في أيار/مايو 2011 راحوا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يعزِّزون صفوف داعش. بل يعزى ذلك أيضاً إلى أن النظام فضَّل دائماً قصف الأهالي المدنيين ومجموعات الثوار على قصف داعش، وأن داعش هي أكثر إقداماً على مهاجمة مجموعات الثوار منها على مهاجمة جيش النظام، عدا بضع حالات استثنائية (أهمها استيلاؤها على قاعدة الطبقة).

2ــ وتُحْدِث مواصلة قصف النظام للأهالي المدنيين، يساعده في ذلك الطيران الروسي في الوقت الحاضر، أثراً يتمثَّل في اجتذاب المرشَّحين للجهاد الذين ينضمون في المقام الأول إلى صفوف داعش. فالتوصل إلى رحيل الأسد ووقف قصف الأهالي المدنيين هما أفضل وسيلة للحد من قدرة داعش على الجذب.

3ــ لا يمكن التوصل وفق شروط معيَّنة إلى جعل المعارضة المسلَّحة تنضم إلى جيش النظام، لتشكيل قوات القتال البري التي يستلزمها استئصالُ داعش، إلا بإرساء عملية انتقال سياسي حقيقي في دمشق (أي رحيل الأسد).

diary.thesyriacampaign.org
خمسةُ الأسباب التي تجعل من المتعذر علينا هزيمة داعش مع بقاء السلطة في يد الأسد

(5 reasons we can’t beat Isis while Assad is in power)

liberation.fr ــ بشّار الأسد أقل شرّاً حيال داعش: هيهات

(Bachar al-Assad moindre mal contre Daech : chiche!)

النص المحدَّث في 2017/06/12

ما بعد حلب

إن عذاب الأهالي العزل في سوريا تَمَثَّل رمزياً في المصير الذي إيل بمدينة حلب إليه. ونذكّر بأن قوّات الثوّار كانت قد حرَّرت حلب من قبضة الدولة الإسلامية منذ كانون الثاني/يناير 2014 ! والحال أنه، تحت ستار “مكافحة الإرهاب”، حوصرت حلب منذ تموز/يوليو 2016، وكان النظام السوري وروسيا يستهدفانها بعمليات القصف الكثيف، بينما كانت تتولّى القتالَ البري لصالح الأسد ميليشيات عراقية وأفغانية إضافةً إلى الحرس الثوري الإيراني. وسقطت حلب الشرقية في كانون الأول/ديسمبر 2016.

ولم يعد يعمل هناك أي مستشفى لأن كل المستشفيات قد قُصفت، كما قُصف ذوو القبّعات البيضاء (المسعِفون المدنيون)، وغدا عدد الضحايا المدنيين (وبينهم أطفال كثيرون) يتزايد يومياً. وقد استُهدفت بالقصف حتى قوافل النقل الإنسانية (انظر تقريراً للأمم المتحدة ذا صلة عبر هذا  الرابط). إن نتائج عمليات القصف المعنية موثَّقة هنا. كما يُخشى من أن تكون استعادة السيطرة على أحياء حلب الشرقية قد اقترنت باعتقال الكثيرين، واختفاء الكثيرين، للأسف، لأن النظام ومسانديه يحدوهم  منطق الثأر ممّن قاوموهم هذه المقاومةَ المديدة.

لقد باح باسم خليفة، المقيم في حي بستان القصر في حلب الشرقية، بمشاعره قائلاً: “إننا، كلما خرجنا من البيت، نقول لباقي العائلة: وداعاً!”

إن المعركةَ التي أفضت إلى سقوط حلب وتقاعُسَ المجتمع الدولي عن التحرك حيالها جَعَلا من هذه المعركة منعطفاً هاماً. وذلك فيما يخص المعارضة أولاً: فعلاوة على الخسائر البشرية وخسائر الأرض، قام توازن قوى جديد مختل كثيراً لغير صالحها. ويعاد تشكيل دينامية العمل الثوري في ظروف بالغة الصعوبة.

وقد تحقق بذلك نصر عسكري لصالح الأسد وحلفائه. لكن ذلك يؤكد في المقام الأول، بعدما حصل في حمص قبلئذ بسنتين، أن النظام السوري لا يستطيع استعادة المناطق إلا بعد إخلائها من أهاليها.

ثم إن داعش تسجِّل أيضاً انتصاراً لها. ففي 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2016 صرح اسْتيفِن أوبريان (Stephen O’Brien)، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أمام مجلس الأمن قائلاً: “بصفتي إنساناً، سأستنفد قريباً الكلام الذي يمكنني أن أعبر به عمّا يختلجني” (يمكن الاطّلاع على إعلانه عبرهذا الرابط). وفيما يتخطى المأساة الإنسانية، يُطرح السؤال عن عجز الأمم المتحدة وعدم قدرتها على إحلال السلام والأمن. فهي تقتصر على إدانة جرائم الحرب فلا تتخذ أي تدبير لوضع حد للمجزرة. ومن ثمّ يمكن أن يبدو ذلك وكأنه تواطؤ سلبي من القوى الدولية إزاء إبادة ربع مليون إنسان، كما يُحتمل أن يصبَّ الماء في طاحون الإرهاب، لأنه يُستغّْل فيما غدت داعش تقول به من خطاب مندِّد بالظلم. كما نشير من ناحية أخرى إلى الواقعة الرمزية المتمثّلة في أن تنظيم داعش استعاد المبادرة في تدمر  بينما كانت كل جهود النظام وحلفائه متركّزة على قصف مدينة حلب التي لم يكن لهذا التنظيم أي وجود فيها.

النص المحدَّث في 2017/06/12