ثانياً ـ من الحرب الأهلية إلى المواجهة الإقليمية

لقد انضافت إلى مطالب السوريين الأولى المشروعة أبعاد إقليمية وعالمية لنزاع مديد.

هل يزعزع الوضع القائم في سوريا الاستقرار في البلدان المجاورة لها؟

يزعزعه طبعاً بسبب عدد اللاجئين السوريين* الموجودين اليوم في تركيا (2973980)، وفي لبنان (1011366)، وفي الأردن (658015)، وفي العراق (236772)، وبقدر أقل في مصر (120154). إن الوضع يختلف بحسب البلدان: ففي تركيا والأردن نُظِّم استقبال اللاجئين في مخيمات غير بعيدة عن الحدود مع سوريا** بينما اتخذت السلطات اللبنانية، إزاء تعاظم عدد السوريين القادمين إلى لبنان، تدابيرَ تجعل وصول السوريين إليه أمراً بالغ الصعوبة. ولئن كان لبنان والأردن يتّبعان سياسة حذرة في هذا الشأن فإن تركيا اتّبعت سياسة تتّسم بمزيد من الإرادة، إلى جانب انخراطها الطائل في الأزمة السورية. إن البلدان المتاخمة لسوريا تكفلت بأود معظم اللاجئين مع ما يقترن بذلك من تبعات ثقيلة الوقع على مجتمعاتها وفي الميدان الاقتصادي، بينما كادت البلدان الأوروبية تغلق أبوابها في وجوههم، إذ أنها لم تسمح بالدخول إليها إلا للقليل منهم. فلـم تقبل بلدان الاتحاد الأوروبي إلا ملفات 884461 لاجئاً في الفترة الممتدة من آذار/مارس 2011 حتى تشرين الأول/أكتوبر 2016 ولم تقبل فرنسا إلا ملفات 14265 منهم…

*          أرقام مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الصادرة في نيسان/أبريل 2017

**         لكن يجدر التنويه إلى أن معظم السوريين اللاجئين في تركيا يعيشون الآن في مدن لا في مخيمات. وربما كانت الحال في لبنان تغدو كذلك أكثر فأكثر.

النص المحدَّث في 2017/06/06

من هم حلفاء نظام بشار الأسد؟

يحظى النظام منذ انطلاقة الثورة بدعم إيراني قوي مستمر على الصعيد السياسي والصعيد المالي والصعيد الدبلماسي والصعيد العسكري لأن طهران لا تريد أبداً أن تقوم في دمشق سلطة سنّية يمكن أن تدعمها مَلَكيات الخليج النفطية ولا سيّما المملكة العربية السعودية.

ومن الأهمية بمكان فيما يخص إيران التمتع بهذه الاستمرارية الاستراتيجية من طهران إلى بغداد إلى دمشق إلى حزب الله. لذا يجري الحديث تبسيطاً عن “محور شيعي” يضادُّ “محوراً سنياً” يتشكل من الرياض والقاهرة وأنقرة دون أن ننسى سائر مَلَكيات الخليج النفطية.

وتتشكل القوات الإيرانية الموجودة في الميدان من العديد من مئات المستشارين وشبه العسكريين إضافة إلى “فيلق القدس”. وفي كانون الأول/ديسمبر 2013، بعد زيادة قدرات القوات الإيرانية الموجودة في سوريا استباقاً للجولة الثانية من مفاوضات جنيف، قُدِّر عدد هذه القوات بعشرة آلاف رجل (انظر مقالاً ذا صلة عبر هذا الرابط). وفي عام 2015 كشفت مصادر أمنية سورية أنه قد نُشِر عدد يراوح بين 7 آلاف و10 آلاف جندي من “فيلق القدس” وحده حول دمشق لحمايتها بعد أن استولت داعش على تدمر.

إن إيران كانت طرفاً فاعلاً في الميدان، ولم تغدُ طرفاً فاعلاً دبلماسياً إلا على نحو تدريجي. وقد تمثَّل المنعطف في الاتفاق بشأن السلاح النووي الإيراني، الذي وُقع في 14 تموز/يوليو 2015. فكل جهود واشنطن كانت منصبّة على العمل للتوصل إلى هذا الاتفاق الذي كان يحظى بالأولوية لدى باراك أوباما. بل إن بعض المراقبين يرون أن الرئيس الأمريكي تراجع في آب/أغسطس 2013، إذ كان من الوارد التدخل في سوريا بعد الهجمات بالأسلحة الكيميائية، وذلك بغية عدم عرقلة المفاوضات مع الإيرانيين.

وحتى ذلك الحين كان الإيرانيون قد هُمّشوا خلال الجولات الأولى من المفاوضات بشأن حل النزاع سلمياً. وجاء تحسُّن حالهم الدبلماسي في 14 تموز/يوليو 2015 ليعيدهم إلى دائرة التفاوض. ولئن كان إشراكهم هذا ضرورياً فليس من الأكيد أن يكون كافياً.

syrie.blog.lemonde.fr ــ الجهاديون الشيعة: التهديد الآخر لمستقبل سوريا والسوريين (3/3)

Les djihadistes chiites, l’autre menace pour l’avenir de la Syrie et des Syriens (3/3)

وعلاوة على القوات الإيرانية، جاءت للقتال في سوريا لحساب النظام ميليشياتٌ شيعية أجنبية عديدة (عراقية، ولبنانية، وأفغانية، وباكستانية …). ثم إن حزب الله اللبناني الذي تدعمه طهران طرف من الأطراف المنخرطة في النزاع إلى جانب قوات الأسد. ففي 5 حزيران/يونيو 2013 دخل هذا الحزب الأراضي السورية رسمياً واستعاد من الثوار مدينة القُصَيْر الحدودية، مجنِّباً النظام هزيمة كان يمكن أن تمثّل بداية انهياره. ويقدَّر أن عديد قوات حزب الله اللبناني الموجودة في سوريا يراوح بين 5 آلاف و8 آلاف مقاتل. كما يمكن للنظام السوري أن يعوِّل على الميليشيات الشيعية العراقية (زهاء 80 ميليشيا) التي يقدَّر أن عديدها يراوح بين 20 ألف و25 ألف مقاتل. وتطول قائمة الميليشيات الداعمة للنظام (انظر ملخص جون بيير بيران).

إن هذه القوات أتت لتدعم جيشاً منهكاً، يشهد أحياناً خلافات بشأن الأهداف العسكرية أو بشأن الاستراتيجية الواجب اتباعها. وهي على أية حال قد أتاحت للنظام مراراً عديدة أن يتفادى الانهيار. إنها كانت في الخط الأول خلال معركة استعادة السيطرة على حلب في كانون الأول/ديسمبر 2016.

هذه الميليشيات الأجنبية التي استعادت السيطرة على سوريا لصالح الأسد” (Ces milices étrangères qui reconquièrent la Syrie pour Bachar el-Assad)

النص المحدَّث في 2017/06/09

أيُّ البلدان يدعم المعارضة؟

إن تركيا طرف فاعل رئيسي في النزاع السوري. وذلك أولاً لسبب جغرافي لأن لها حدوداً مشتركة مع سوريا طولها 900 كيلومتر. إنها أول بلد لاستقبال اللاجئين السوريين الذين فروا من عمليات القصف طيلة سنوات النزاع. كما إن الحدود معها هي المعبر الإجباري لتزويد كل الشمال السوري بالبضائع والمساعدات الطبية والإنسانية، وكذلك تزويده بالسلاح الخاص بمجموعات المقاتلين. ويعد جنوب تركيا القاعدة الخلفية للمنظمات الدولية الإنسانية التي تعمل من أجل سوريا وكذلك للمعارضة السياسية والعسكرية السورية. ومن ناحية أخرى أُخِذ على الحكومة التركية اتخاذُها موقفاً إزاء الجهاديين أقل ما يقال فيه إنه متهاون، تمثَّل في تركها المقاتلين والأسلحة يدخلون إلى سوريا.

كما إن تركيا كانت طرفاً سياسياً فاعلاً في المقام الأول خلال شتى مراحل النزاع السوري. وإبّان قمع النظام للتظاهرات في آذار/مارس 2011، حاولت تركيا التوسُّط لإقناع بشار الأسد بإجراء بضعة الإصلاحات التي طلبها المتظاهرون. وإزاء رفضه القيام بذلك وإصراره على اتّباع سياسة القمع، وقف الأتراك علناً ضد النظام ودعموا المعارضة، مستضيفين اجتماعاتها الأولى وجميع مؤسساتها ومنظماتها.

إن تركيا، وهي عضو حلف شمال الأطلسي وقريبة من بلدان الخليج العربية، قالت لوقت طويل بوجوب انخراط الغرب في سوريا انخراطاً أرسخ. وقد دعت على الخصوص إلى إقامة مناطق حظر جوي في شمال سوريا لحماية الأهالي من عمليات القصف والحد من تدفق اللاجئين. بيد أن وجوه الخلاف في هذا الصدد وغيره بين تركيا إرْدُغان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ما انفكَّت تتزايد.

لقد تغيَّر موقف تركيا على نحو واكب تشدُّد نظام إِرْدُغان. فمحاولة الانقلاب التي جرت في تموز/يوليو 2016 جعلت أموراً أخرى تحظى بالأهمية لدى الزعيم التركي، الذي راح يتقرب من الروس على نحو بيِّن ويخفف من معارضته للنظام السوري. إن التوافق مع روسيا بوتن أتاح  للقوات التركية في صيف عام 2016 القيام بعملية عسكرية لطرد داعش من المناطق المتاخمة للحدود التركية السورية. فبعملية “درع الفرات” التي أجراها الجيش التركي مع مجموعات مسلحة للمعارضة السورية تسنَّت استعادة السيطرة على مدينة جرابلس ثم مدينة الباب في شمال سوريا، ما أنهى وجودَ داعش في هذه المنطقة إنهاءً كاملاً.

كما رمت تركيا من عمليتها هذه إلى الحيلولة دون استيلاء الأكراد السوريين على جزء الأراضي السورية الذي كان من شأنه أن يتيح تحقيق استمرارية منطقتهم المستقلة على طول الحدود التركية السورية. فالعامل الكردي يوجِّه سياسة تركيا، التي تخشى من أن يثير حصول كردستان سوري على الاستقلال الذاتي التوترات في تركيا نفسها. وفي هذا الصدد أيضاً لا تنال تركيا أي ضمانة من الدول الغربية.

وعلى غرار تركيا، سرعان ما وقفت المَلَكيات النفطية ضد النظام السوري ودعمت المعارضةَ التي كانت تسعى إلى الإطاحة به. لكن ذلك كان فيما يخص هذه الدول سعياً إلى اكتساب نفوذ إقليمي، ولا سيّما في مواجهة خصمهم الإيراني، أكثر منه دعماً للمطالب الديمقراطية للثورة السورية.

والحال أن ما قدمته هذه الدول من مساعدة سياسية ودبلماسية ومالية وعسكرية وإنسانية اتسم بأهمية حيوية للمعارضة ولأهالي سوريا طيلة سنوات النزاع. بيد أن هذه المساعدة افتقرت إلى التنسيق والاتساق بسبب التنافس بين مختلف البلدان المعنية التي كان لكل منها مراميها الخاصة.

فالمملكة العربية السعودية وقطر، وهما الدولتان الأكثر انخراطاً إلى جانب المعارضة، عزفت كل منهما على نغمتها الخاصة، ما سبب انقسامات في كثير من الحالات. إن قطر، التي يحدوها الطموح إلى فرض نفسها بصفتها الراعي الحقيقي للمعارضة السورية، حابت المجموعات السياسية والعسكرية الإسلامية. أما المملكة العربية السعودية فقد أدت دوراً سياسياً أكثر رسوخاً منذ تولي الملك سلمان السلطة في الرياض في عام 2015. وقد نظمت الرياض في كانون الأول/ديسمبر من تلك السنة اجتماعاً لإنشاء منصة واسعة للمعارضة السياسية والعسكرية. وهكذا تأسست الهيئة العليا للمفاوضات التي تُجري منذ ذلك الحين المحادثات في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة.

النص المحدَّث في 2017/06/09

كيف تنظر إسرائيل إلى النزاع في سوريا؟

من البديهي كلَّ البداهة أن إسرائيل تتابع بعناية كبيرة كل ما يمسُّ جارها السوري. فإذا كان طيران إسرائيل قد شنّ غارات جوية عديدة (في 30/1/2013 و3/5/2013 و5/5/2013 و5/7/2013 و31/10/2013) على مراكز بحوث عسكرية قريبة من دمشق أو على قوافل لحزب الله، فإنها لا تؤثر في النزاع. فما يشغل إسرائيل في المقام الأول هو وجود ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية وخطر أن تقع في أيدي المجموعات المتمردة المتشدِّدة أو في أيدي الميليشيا الشيعية اللبنانية. فقد صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قائلاً: “إننا ننفِّذ من وقت إلى آخر عمليات في سوريا لتجنّب أن يتحوُّل هذا البلد إلى جبهة ضدنا”. وتختلف مواقف المسؤولين الإسرائيليين فيما يتعلق بمصير سوريا. فبعضهم يمكن أن يناسبه إبقاء بشار الأسد في السلطة لأنهم يعرفونه ويعرفون أنهم يمكن أن يعوِّلوا عليه لمراقبة الحدود (هذا ما يقوم به بالفعل منذ عام 1974 على الرغم من كل الخطابات)، في حين أن بعضهم الآخر يرى أن من شأن وصول السنة الجهاديين إلى السلطة أن يفضي إلى فوضى تفيد إسرائيل وتضعف عدوها المتمثل في حزب الله.

النص المحدَّث في 2017/04/28