رابعاً ـ ماذا تبقّى من سوريا ومن السوريين؟

ضحايا النزاع ــ من هم القتلة ومن هم القتلى؟

لنبدأ بالسؤال: كيف تُجْمَع البيانات المتعلقة بأعداد الضحايا؟ أَفَيمكن الوثوق بهذه البيانات؟

إنهم جيش منتشر في الميدان. جيش لا يحمل أسلحة بل أقلاماً، ودفاتر، وهواتف ذكية أو أجهزة تصوير. وهم يقومون بجمع البيانات، وبتسجيلها، ويلتقطون الصور. ويُحْدِق بهم خطر دائم، وسط المناطق المدنية التي تتعرض للقصف، وكثيراً ما يضحّون بحياتهم فلا يلبث غيرهم من المتطوِّعين أن ينبروا للحلول محلهم. وهم يعملون لمنظمات شتى منها “مركز توثيق الانتهاكات في سوريا” (VDC*)، الذي أسسته في دوما بسوريا في نيسان/أبريل 2011 المحامية والناشطة المعنية بحقوق الإنسان رزان زيتونة** (vdc-sy.info)، و”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” التي أُنشئت في حزيران/يونيو من السنة ذاتها (sn4hr.org)، و”المرصد السوري لحقوق الإنسان” القائم مقره في لندن (syriahr.com).

وقلَّما يقدِّم “المرصد السوري لحقوق الإنسان” معلومات عن طرائق عمله، وهو يؤكِّد أن له شبكة من المراسلين على جميع الأراضي السورية واسعة إلى حد كاف، بينما يعمل “مركز توثيق الانتهاكات في سوريا” و “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” في المناطق التي يسيطر عليها الثوار. وتقدِّم المنظمتان الأخيرتا الذكر معلومات عن طريقة جمعهما للبيانات. إنهما ترسلان متطوِّعين إلى الميدان مباشرة بعد الغارات لكي يسجِّلوا البيانات المتعلقة بالضحايا وبملابسات مقتلهم، ويستعلموا عنهم لدى المستشفيات ولدى الشيوخ الذين يَؤُمّون المآتم الجنائزية. ثم إنهم يتحقَّقون ممّا يجمعونه من المعلومات بمقارنته بالبيانات التي تتوفر من مصادر أخرى وذلك على الأخص بفضل المواطنين الصحفيين الذين ينتشرون في جميع أنحاء المناطق المعنية.

مثال على البيانات التي يجمعها “مركز توثيق الانتهاكات في سوريا” (VDC):

الاسمالمحافظةالمنطقة / مكان الولادةالجنسالفئةتاريخ الوفاة
شرفة كنجوإدلبحيشأنثى ــ بالغةالمدنيون2016-08-02
عفراء كنجوإدلبحيشأنثى ــ طفلةالمدنيون2016-08-02

تُجْمَع معلومات من أنواع شتى: الملابَسات، الأسلحة المستخدَمة، الجهة المهاجِمة، إلخ. انظر الاستبيان البالغ الدقة الذي تستخدمه هذه المنظمة*** لجمع البيانات. إنها تفرِّق أيضاً على النحو الواجب بين المدنيين والعسكريين.

التعداد المستحيل …

يجدر تبيان أن التعداد لا يشمل الضحايا الذين يُقتلون في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري ولا في المناطق التي تسيطر عليها داعش، لأنه يصعُب الوصول إلى هذه المناطق ولأن دمشق و “الدولة الإسلامية” لا تقدِّمان معلومات عن عدد الضحايا. فالمرصد السوري لحقوق الإنسان هو المنظمة الوحيدة التي تقدِّم رقماً عاماً عن أعداد الضحايا من جميع الأطراف، لكن يتعذر الحكم بإمكان الوثوق التام ببيانات هذا المرصد.

وعلى الرغم من هذه القيود فإن الأمم المتحدة رأت أن هذه المنظمات تقوم بعمل جدي وكثيراً ما اعتمدت عليها لتبيان عدد القتلى. لكنها قرَّرت في نيسان/أبريل 2014 الكف عن تعداد الضحايا، لأن تحديد عددهم الحقيقي أصبح مستحيلاً بالنظر إلى مدى التعقيد المتأتي عن كثرة القوى الحاضرة في الميدان والمصاعب الموضوعية التي تكتنف جمع البيانات. وتقتصر الأمم المتحدة على ذكر عدد القتلى البالغ 260000 ألف والذي لم يتغيَّر منذ أكثر من سنة … أما الأرقام الأكثر تداولاً فهي تلك التي ينشرها المرصد السوري لحقوق الإنسان. وقد أفادت صحيفة Le Monde في عددها المؤرَّخ بـ8 آب/أغسطس 2016 بأن هذه المنظمة غير الحكومية أحصت 292817 قتيلاً حتى 31 تموز/يوليو 2016، منهم 84472 مدنياً، و50548 مقاتلاً من الثوار بمن فيهم المقاتلون الأكراد، و49547 من الجهاديين، و104656 من القوات الموالية للنظام بينهم 57909 من الجنود. وأعلنت هذه المنظمة يوم الثلاثاء في 13 أيلول/سبتمبر 2016 عن مقتل 9000 شخص آخرين ما جعل العدد الإجمالي للضحايا يجاوز 300000 (وكالة الصحافة الفرنسية). بيد أن هذه المنظمة تعتبر العدد الحقيقي أكبر من ذلك. إن تعذر تعداد الضحايا هذا يفرض علينا التزام الحيطة.

فحَسْبُنا أن نَذْكُر المنازل الحسابية للمقادير. هذا مع العلم بأن أوساط منظمات الأمم المتحدة تَعتبر بصورة غير رسمية أن الرقم البالغ 300000 قتيل رقم واقعي.

إن الحصيلة الحقيقية ستغدو معلومة دون شك بعد الحرب. ويجب أن تُدرج في هذه الحصيلة أرقام جميع من قُتلوا قتلاً غير مباشر بسبب عدم العناية أو الافتقار إلى الغذاء. وستساعد في ذلك المجالس المحلية التي تدير شؤون المدن والتي تحصي بدورها أعداد القتلى في مناطقها، مساعَدةً كبيرة. ويجب أن تضاف إلى ذلك أعداد المختفين، الذين اعتقلت معظمَهم القوات المسلَّحة للنظام السوري أو أجهزة مخابراته.


* مختصرات أسماء هذه المنظمات ترد هنا باللغة الإنكليزية.

** اختُطفت المحامية رزان زيتونة في دوما في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2013، ربما على يد المنظمة الإسلامية المتطرفة “جيش الإسلام”، وانقطعت أخبارها منذ ذلك الحين.

*** إن المعلومات التي تجمعها هذه المجموعات يمكن أن يُستند إليها في المحاكمات التي ستُعقد في المستقبل لمقاضاة المسؤولين عن الفظائع المقترَفة. وسيُستند إليها بلا ريب لإقامة نصب لتخليد ذكرى ضحايا القمع والحرب في سوريا.


الجهات التي تتحمل المسؤولية في المقام الأول عن سقوط القتلى من المدنيين (من هم القتلة ومن هم القتلى)

تختلف النسب بحسب عمليات تحليل الأرقام لكن المسؤول في المقام الأول عن إيقاع الأعداد الكبيرة من الضحايا هو دائماً النظام السوري، الذي يتقدَّم على غيره شوطاً بعيداً في هذا المجال. لنأخذ البيانات التي جمعتها “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” فوضعت الجدول التالي للضحايا المدنيين من قاطني المناطق الخاضعة لسيطرة الثوار. إنه يشمل الفترة الممتدة من آذار/مارس 2011 إلى تشرين الأول/أكتوبر 2016، أي خمس سنوات ونصف السنة من مدة النزاع. ولا ريب في أنه غير كامل بسبب ما سبق ذكره من مصاعب جمع البيانات؛ وهو كما سبق القول لا يشمل أعداد الضحايا المدنيين الذين يُقتلون في المناطق التي تسيطر عليها القوات الموالية للنظام. فعلينا أن نلتزم الحيطة بهذا الصدد أيضاً. لكن هذا الجدول يُظْهِر بوضوح أن قصب السبق في مضمار المسؤولية عن إيقاع هذه الأعداد من قتلى الحرب يعود دون منازع لقوات النظام وحلفائه.

كما تُجري “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” تحليلاً لأعداد الضحايا كل شهر. ويفيد تحليلها الخاص بشهر آب/أغسطس 2016 بوقوع 1521 قتيلاً من المدنيين (أقل بكثير من عدد القتلى البالغ 9000 الذي أعلن عنه “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، لأن رقم هذه الشبكة لا يشمل إلا الضحايا الذين يتسنّى لها الاستيثاق من مقتلهم). ومن هؤلاء 1082 شخصاً قتلتهم قوات النظام السوري (أو القوات الروسية: 184). أما الباقون فقتلتهم قوات المعارضة (148)، وداعش (179)، والمجموعات الكردية (30)، وأطراف أخرى (82). وقد نبَّهت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” إلى أنه صعُب عليها فيما يخص شهر آب/أغسطس 2016 الاستيثاق من حالات جميع الضحايا الذين قُتلوا على الأراضي التي شملها تحقيقها. وهذا يعني أن عددهم أكبر من العدد الذي أفادت به وأن توزُّعهم بحسب المسؤولية عن مقتلهم قد يتباين. لكن يمكن اعتبار تراتب الجهات المسؤولة عن مقتلهم أمراً مستيقَناً منه لأنه لا يختلف أبداً. فأياً كانت طريقة تحليل البيانات المجموعة وأياً كانت المنظَّمة التي تجمعها يبقى النظام السوري دائماً هو الجهة التي تتبوأ المرتبة الأولى في مضمار المسؤولية عن القتل وعن التدمير.

ولا غرو في غلبة قوات النظام السوري هذه الغلبة الساحقة في هذا المضمار. فهو، مع حلفائه، يتمتع بتفوق بعيد المدى من حيث الإمكانات العسكرية، وهو ينفرد بين أطراف النزاع بأنه الطرف الوحيد الذي له طيران. وقد أوقعت عمليات القصف الجوي أكثر من ثلث الضحايا المدنيين الذين قُتلوا في آب/أغسطس 2016، كما أفاد به “مركز توثيق الانتهاكات في سوريا”*. إن قصف المناطق السكنية المستمر منذ عملياته الأولى التي شهدها صيف عام 2012 يوقع عدداً كبيراً من الضحايا بين المدنيين كما يحرم الأهالي من الملاجئ ومن الموارد الاقتصادية ومن مرافق العناية الصحية (فالمستشفيات تُستهدف عمداً شأنها شأن البنى التحتية الاقتصادية والحقول إبّان جني المحاصيل) مسبِّباً عدداً يتعذَّر الآن تقديره من الضحايا الذين يُقتلون قتلاً غير مباشر. وفي هذا الصدد، يُنوَّه في بلاغ للأمم المتحدة صادر في 6 أيلول/سبتمبر 2016 بشأن عمليات قصف الطيران السوري والروسي لحلب إلى أنه: “بينما يقضي البعض نحبهم تحت وقع الهجمات، يموت آخرون بسبب الافتقار إلى المرافق الطبية، جرّاء عمليات القصف التي تقوم بها القوى الموالية للحكومة والتي دمرت أكثر من عشرين مستشفى ومستوصفاً في محافظة حلب وحدها منذ بداية السنة”**.

ويضاف إلى ذلك أننا نعلم، بفضل “تقرير قيصر”، أن 11000 شخص قضوا تحت التعذيب. وتتوفر صور داعمة لهذه المعلومات (انظر “عملية قيصر” (Opération César)، بقلم غارَنس لو كين (Garance Le Caisne)، منشورات Stock، 2015). لقد حقَّق في هذا الملف خبراء دوليون (أطباء شرعيون، ومدّعون عامون، …). ومن هؤلاء الخبراء ديفيد كرين (David Crane)، المدَّعي العام الرئيسي السابق للمحكمة الخاصة بسيراليون. وقد قال هذا الخبير إن صور جثامين أولئك الذين أُجيعوا وعُذِّبوا “لم يُشهد مثيل لها قط منذ الفظائع التي اقتُرفت في معسكر أوشفيتس”. واستطرد قائلاً “بصفتنا مدّعين عامين، نادراً ما تتاح لنا فرصة الاطّلاع على أدلة مباشرة ودقيقة على ارتكاب جرائم بحق الإنسانية” مضيفاً أن ذلك مجرَّد “غيض من فيض لأن هذا الملف لا يشمل إلا ثلاثة من مراكز الاعتقال البالغ عددها 50” في جميع أنحاء سوريا.

وتشير تقارير أحدث عهداً إلى ما يجري في سجن صيدنايا، الواقعة على بعد 30 كيلومتراً من دمشق. لقد تم فيه شنق عدد من السجناء يراوح بين 5 آلاف و13 ألفاً في الفترة الممتدة من أيلول/سبتمبر 2011 حتى كانون الأول/ ديسمبر 2015. وترى منظمة العفو الدولية في ذلك “مسلخاً بشرياً”. ويمكن الاطّلاع على هذا التقرير عبر هذا الرابط.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* http://www.vdc-sy.info/index.php/en/reports/1473673722#.V9grzDun-0N
** http://www.un.org/apps/news/story.aps?NewsID=54856#.V9AZcTun-ON

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


5 ملايين لاجئ*

لماذا يغادرون؟ … «إنهم يهربون من داعش» …

إننا جميعاً سمعنا هذه الجملة. وذلك ليس أثناء المحادثات فحسب بل أيضاً، وهذا أنكى، في كبريات وسائل الإعلام (انظر مثلاً تحقيق قناة التلفاز “فرنسا 2” (France 2) عن استغلال الأطفال السوريين في تركيا، الذي بُثَّ في 21/6/2016).

فللسبب الآنف الذكر، ألا وهو حضور هذه المنظمة وفظائعها ذلك الحضورَ الشامل في وسائل الإعلام وفي النفوس، يسود لدى بعض الفرنسيين انطباع بأن السوريين يهربون في معظم الحالات من “الدولة الإسلامية”. ويوجد أيضاً صحفيون لا يأبهون كثيراً للتحقق مما يدلون به فيستجيزون سَوْقَ هذه المقولة. وما هي إلا مقولة تخدم مصالح النظام السوري الذي يتنصَّل على هذا النحو من مسؤولياته بثمن بخس.

وتكفي بضعة أرقام وتواريخ لإظهار الحقيقة. فإذا كانت جماعة داعش الجهادية قد وجدت موقعاً لها في سوريا في نيسان/أبريل 2013 فإنها لم تمارس كل قدرتها على إيذاء الأهالي إلا بدءاً من عام 2014، الذي شهد انتشارها الكامل؛ ولا سيما اعتباراً من صيف عام 2014، بعد استيلائها على الموصل في العراق، ذلك الاستيلاءَ الذي أتاح لها أن تعزِّز إلى حد كبير قوتها في المنطقة التي تسيطر عليها المتوزِّعة على العراق وسوريا. والحال أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كانت قد سجَّلت في نهاية عام 2013 عدداً من اللاجئين بلغ 2.5 مليون. إن هؤلاء اللاجئين غادروا سوريا لأسباب ليس لها علاقة تذكر بـ”الدولة الإسلامية”.

إن أسباب مغادرة اللاجئين لسوريا مبيَّنة تبياناً وجيزاً في تقرير للأمم المتحدة على النحو البسيط التالي: “أُفيد بأن استهداف المدنيين المتعمَّد وعدم قيام أطراف النزاع بحماية المدنيين هما السببان الرئيسيان للنزوح. ثم إن الأهالي يُجْبَرون أكثر فأكثر على الهروب بسبب انهيار الخدمات، بما في ذلك نقص العناية الصحية وفقدان أسباب العيش في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة” **.

فآلاف السوريين الذين سلكوا طرق اللجوء صيف هذا العام إبّان قصف حلب إنما كانوا يفرّون للأسباب ذاتها: عمليات القصف المستمر الذي يشنّه الطيران السوري والطيران الروسي، وأعمال تدمير المنازل والمستشفيات وسائر البنى التحتية، والافتقار التام إلى الموارد، والارتفاع الرهيب في أسعار الغذاء.

كما يشير المكان الجغرافي الذي يأتي منه اللاجئون إلى أسباب نزوحهم. فداعش تحتل بصورة أساسية بعض الجيوب في شمال شرق سوريا مثل الرقّة ودير الزور. والعائلات التي تأتي من هاتين المنطقتين يُحتمل كبيرَ الاحتمال أنها تهرب من المضايقة على أيدي داعش في المقام الأول. لكن عندما يأتي الناس من حلب وحمص ودمشق واللاذقية فإنهم ينزحون لأسباب أخرى، هي الأسباب المذكورة آنفاً. أما الشباب الذين يغادرون المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري فهم غالباً ما يهربون من التجنيد الإجباري، ما يطرح مشكلات كبيرة على جيشه المنهك الذي يصعب عليه الحشد كلَّ الصعوبة.

فإذا طُردت داعش من جميع الأراضي السورية فإن ذلك لن يتيح عودة كثير من اللاجئين إليها. أما وقف القتال أو استحداث منطقة حظر للطيران فيمكن أن يتيحا عودة قسم منهم على الأقل.


* عدد اللاجئين السوريين المسجَّل لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نيسان/أبريل 2017.
** http://www.refworld.org/publisher,UNHCR,COUNTRYPOS,SYR,5641ef894,0.html

 


النص المحدَّث في 2017/06/22 par Marie-Claude Slick

تدمير منظومة الصحة

استُهدف على الخصوص العاملون الطبيون والمساعدون الطبيون، فقد قضى منهم 654 قَتل النظامُ معظمهم (93%). ويضاف إلى ذلك أن 15000 منهم قد غادروا البلاد.

كما تُستهدف المستشفيات استهدافاً منهجياً، منه ما تقوم به اليوم القوات الروسية (ضرب 12 مستشفى في تشرين الأول/أكتوبر 2015). ويقدّر أن 26% من المستشفيات لم تعد تعمل وأن 33% منها لا تعمل إلا جزئياً.

والحال أن ثمة 11 مليوناً من الأشخاص في سوريا يحتاجون إلى العناية الطبية. ولـم يُلَقَّح حتى الآن إلا نصف الأطفال السوريين. ولذا عادت إلى الظهور في سوريا وانتشرت فيها أمراض معدية كان قد تم استئصالها: شلل الأطفال، وداء اللشمانيات الجلدي، والحصبة، والتيفوئيد، وحتى الكوليرا.

إن الافتقار إلى العناية الطبية وإلى الأدوية، إذ يؤدي إلى وفيات بين المصابين بأمراض مزمنة (مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، والسرطان)، يزيد عدد الضحايا زيادةً تبلغ عشرات الآلاف لم تُحتسب ضمن الأرقام الآنفة الذكر.

وعلى ذكر الأرقام يجدر أن يضاف أن هناك، بحسب التقديرات الدولية، أكثر من 13 مليون سوري يحتاجون اليوم إلى مساعدة إنسانية.

lexpress.fr سوريا: منظمة دولية تشجب قصف المستشفيات “الذي لا يُحتمل”

(Syrie : une ONG dénonce les « insupportables » bombardements des hôpitaux)

النص المحدَّث في 2017/04/28 par Marie-Claude Slick

تناقص عدد السكان، ونزوحهم

يشهد عدد السكان تناقصاً (بلغت نسبته 23%) بسبب ازدياد عدد الضحايا وبسبب انخفاض عدد الولادات (بمقدار 50% بالقياس إليه في عام 2011).

ويضاف إلى ذلك أن أكثر من 5 ملايين من السوريين غادروا سوريا ليلجؤوا إلى البلدان المجاورة والبلدان الأوروبية، وعلى نحو أندر إلى بلدان الخليج وأمريكا.

عدد اللاجئين: 5030391

عدد اللاجئين المقيمين في مخيمات: 494947، أي 10% من المجموع

  • في تركيا: 2973980
  • في لبنان: 1011366
  • في الأردن: 658015
  • في العراق: 236772
  •  في مصر: 120154
  •  في شمال أفريقيا: 29275

عدد السوريين الذين طلبوا اللجوء إلى أوروبا بين نيسان/أبريل 2011 وأيار/مايو 2016: 1066844

عدد طلبات اللجوء إلى فرنسا (وهو بالضرورة أكبر من عدد من يمنحون صفة اللاجئ فيها فعلاً) بين نيسان/أبريل 2011 وأيار/مايو 2016 بلغ: 12142 (مقابل أعداد مناظرة تبلغ: فيما يخص ألمانيا 354038؛ وفيما يخص صربيا 313656؛ وفيما يخص السويد 110579؛ وفيما يخص هنغاريا 72505؛ وفيما يخص هولندا 32070).

وعلاوة على ذلك يراوح عدد السوريين النازحين ضمن سوريا بين 7 ملايين و8 ملايين.

وإذا أضفنا عدد اللاجئين إلى خارج سوريا وعدد النازحين داخلها فنجد أن نصف السوريين لم يعودوا يقيمون في منازلهم!

إن لعمليات نقل السكان هذه تبعات ديمغرافية أكيدة (يمكن الاطلاع على دراسة في شأن هذه المسائل عبر هذا الرابط). ويُلاحظ أولاً أن الأغلبية السكانية – الأهالي من العرب السنة – هي التي اضطرت أكثر من غيرها إلى مغادرة البلد. ويؤدي ذلك إلى تعديل طفيف للتوازن الديمغرافي لصالح الأقليات السكانية. بل إنه تُساق في بعض التقارير (مثل التقرير الممكن الاطّلاع عليه عبر هذا الرابط) فرضية تعمُّد النظام السوري العمل من أجل التغيير الديمغرافي، “تشييعاً” يتجلّى في سياق منطق تدمير مناطق مختارة على نحو دقيق وإعادة إعمارها، وتطبيقاً لتدابير تدعم توطين سكان أجانب من المسلمين الشيعة.

ولئن وجب التزام الحذر عند تناول البيانات ذات الصلة فثمة بضعة مؤشرات، مثل المراسيم الرئاسية التي صدرت لتفادي عودة النازحين من منطقة المزة، قد تشي بمشيئة إقامة منطقة نفوذ إيراني، على غرار انزراع حزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية في لبنان.

النص المحدَّث في 2017/06/12 par Marie-Claude Slick

جيل ضائع؟

حسْبُنا النظر في بضعة الأرقام التالية الذكر للإحاطة بمدى الكارثة السورية فيما يخص الأجيال الجديدة، والاستراتيجية التي يتّبعها النظام عن وعي في استهدافه الشباب:

  • ثلث الأطفال السوريين لم يشهدوا إلا الحرب
  • أكثر من ثلث القتلى من الأطفال قُتلوا إما وهم في المدرسة، وإما إذ كانوا ذاهبين إليها أو عائدين منها
  • منذ عام 2011 شُنّ أكثر من 4000 غارة على المدارس؛ والعمل اليوم متعطل في ربع المدارس السورية
  • تسرَّب من المدارس زهاء مليونَيْ طفل ويمكن أن يترك المدرسة آخرون يقدَّر عددهم بـ1.35 مليون

ويتعرض الأطفال السوريون لصدمات نفسية أيضاً. ويبيّن تقرير للمنظمة الدولية غير الحكومية المسمّاة “لننقذ الأطفال” (Save the children) عنوانه “الجراح المستترة” (Invisible wounds) وقْعَ ست سنوات من الحرب على الصحة النفسية للأطفال السوريين. وهكذا نرى أن 70% من الأطفال السوريين يعانون إما من “الإجهاد المؤذي” وإما من الإجهاد اللاحق للصدمة. ويمكن الاطّلاع على هذا التقرير (باللغة الإنكليزية) عبر هذا الرابط.

النص المحدَّث في 2017/06/12 par Marie-Claude Slick

التكلفة المترتّبة على أعمال التدمير

إن التدمير طال التراث السوري في المقام الأول. وقد أعربت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) مراراً عن استيائها لـ”الأضرار الجسيمة” التي لحقت بكنوز أثرية وثقافية سورية يمكن الاطّلاع على قائمتها المحزنة عبر هذا الرابط.

غير أن التدمير طال أيضاً المساكن والبنى التحتية.

ويقدَّر عدد ما دُكَّ من منازل بـ2.1 مليون وعدد ما هُدِّم من مدارس بأكثر من 7 آلاف.

واليوم تقدَّر تكلفة أعمال التدمير هذه بـ270 مليار دولار.

ولو أُعيد إعمار سوريا اليوم، بينما لـمّا تضع الحرب أوزارها، لبلغت تكلفته 300 مليار دولار (أي عشرة أضعاف ما صرفته الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة إعمار العراق).

والحال أن مشكلة إعادة الإعمار تبقى مطروحة بكافة جوانبها: مع من تجري، ومتى، وعبر أي قناة؟

ومن الجلي أنه يجب ربط إعادة الإعمار بالانتقال السياسي، بغية عدم إعادة إنتاج نفس المنحى الذي اتخذه النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث ترسل أوروبا الأموال عبثاً، دون أن تكتسب أي نفوذ سياسي ودون أن تعوق المزيد من التدمير. فبعد ما حصل في حلب يبدو من المغري إرسال المال إلى دمشق من أجل إعادة إعمار البلد. بيد أن مثل هذا الحساب ينطوي على مخاطر عديدة منها 1) اختلاس الأموال المعنية على النحو الذي تم البرهان عليه في حالة الأموال التي دفعتها الأمم المتحدة من باب المساعدة الإنسانية فاستعملها أزلام النظام من أجل تموُّلهم الخاص (انظر تبيان ذلك عبر هذا الرابط؛ 2) الاستئثار بالأموال المعنية لاستخدامها لصالح المناطق المؤيدة للنظام دون غيرها، ما يدع مناطق المعارضة خاوية الوفاض، فيزيد من حدة التصدعات في البلد ومن حدة الكارثة الإنسانية وبالتالي من حدة النزاع.

النص المحدَّث في 2017/06/12 par Marie-Claude Slick

تخريب الاقتصاد

إن الانتاج الاقتصادي، مَقِيساً بالناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، تقلَّص بمقدار النصف منذ بدء الأزمة السورية.

أما إنتاج الكهرباء، الذي كان غير كاف حتى قبل الثورة، فقد انخفض بنسبة 70%.

وتقلَّص الإنتاج الزراعي بنسبة تزيد عن 40%.

ويبلغ معدَّل البطالة 50%.

وبلغ متوسط التضخّم النقدي على مدى أربع سنوات 50%، وارتفع إلى ذروة مقدارها 120% في عام 2013.

وبلغ سعر الصرف الرسمي في أيار/مايو 2015 مبلغاً مقداره 220 ليرة سورية للدولار الواحد. وبلغ في ذلك الحين في السوق السوداء 300 ليرة سورية للدولار واحد.

أمّا كون اقتصاد البلد لم يَنْهَر انهياراً كاملاً فيعزى إلى المَدَد الإيراني إلى حد كبير (توريد النفط وفتح خطوط الائتمان وتجديدها مرات عديدة).

النص المحدَّث في 2017/04/28 par Marie-Claude Slick

إهدار التراث

يلاحظ أن تراث الإنسانية العالمي الذي تزخر به سوريا إما تضرَّر أو يتضرُّر بسبب المعارك (في حلب مثلاً)، وأعمال التدمير المتعمد التي قامت بها داعش (تدميرها معبد بل ومعبد بعل ـ شمين في تدمر، على سبيل الذكر لا الحصر)، وبسبب أعمال النهب المنهجي التي ترتكبها داعش كما يرتكبها النظام جنياً للأموال.

النص المحدَّث في 2017/04/28 par Marie-Claude Slick

كيف يعيش السوريون؟

لقد أحدث النزاع انقلاباً في حياة جميع السوريين، أينما كانوا، وأياً كان انتماؤهم الطائفي، وأياً كان اتجاههم السياسي، وأياً كان وضعهم الاجتماعي الاقتصادي.

ومن الطبيعي أن يكون سكان المناطق التي يسيطر عليها النظام في سوريا في وضع آمَنَ لأنهم لا يتعرضون للقصف. إنهم لـمّا يزالوا ينالون جميع خدمات الدولة: الإدارة، والتعليم، والصحة، وغيرها. لكنهم يخضعون لمراقبة مشدَّدة من جانب قوات أمن النظام وميليشياته ويظلون يعيشون في جو من الخوف. وتمثِّل المصاعب الاقتصادية للحياة اليومية (انظر اعلاه) شاغلهم الرئيسي بسبب حالات انقطاع الكهرباء والماء، وعلى الأخص بسبب الافتقار إلى المازوت والبنزين والارتفاع المفرط في أسعار جميع السلع الأساسية.

أما سكان المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة فهي التي تتعرض أقسى تعرُّض لظروف الحرب والعنف. فبعض هذه المناطق يحاصرها الجيش حصاراً كاملاً ولم تعد تصلها المواد الأساسية الضرورية ضرورةً ماسّة. ويتعرض سائرها بانتظام لعمليات القصف التي يشنّها طيران النظام والتي غدا يشنّها الطيران الروسي. لقد أصبحت المدن والبلدات في هذه المناطق أثراً بعد عين. فالسوريون الذين بقوا هناك هم أولئك الذين لا يستطيعون المغادرة، لكن البعض يصرّون أيضاً على البقاء في منازلهم وبيئتهم. وتتولّى مجالس مدنية تنظيم شؤون الحياة اليومية في هذه المناطق محلياً بالتنسيق مع المقاتلين الذين يسيطرون عليها (انظر  شهادات من المجلس المحلي لداريا عبر هذا الرابط). أما الخدمات الصحية والتعليمية والقضائية وما إليها فتُؤَمَّن على نحو سليم إلى هذا الحد أو ذاك بحسب المكان. ويحصل أشد الأهالي عوزاً على مساعدة إنسانية لتأمين غذائهم بينما يكسب آخرون أسباب عيشهم من خلال بعض الأنشطة التجارية أو الخدمية أو الاقتصادية الموازية.

وأما في المناطق التي تسيطر عليها داعش، فإن هذا التنظيم يُخضع الأهالي بالترهيب لنظامه المتشدِّد الذي لا يعرف الرحمة، مؤطِّراً جميع جوانب الحياة اليومية. ففي أوقات الصلاة يجب أن يتوقف كل نشاط وأن تغلق المتاجر أبوابها. ولا يجوز للنساء أن يخرجن إلى الشارع إلا وهن يرتدين النقاب الأسود الذي يسترهن من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين. ويُعاقَب على كل مخالفة لهذا النظام الكلاّني المفروض عقوباتٍ مفرطةً فظيعةً منها الإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب. وتتولى تنظيمَ وإدارةَ المدارس والمستشفيات والمحاكم أجهزةُ الشرطة “الإسلامية” التابعة لداعش، المؤلفة أساساً من جهاديين أجانب.

وأما مخيمات اللاجئين، القائمة في الأردن وتركيا ولبنان وضمن الحدود السورية، فتعيش فيها الأسر في خيام وأحياناً في عربات مقطورة أو في حجرات مسبقة التجهيز. وتهتم بهم المنظمات الإنسانية الدولية أو المحلية. ويمثِّل الأطفالُ معظمَ المقيمين في هذه المخيمات: في بعض الحالات أقيمت مدارس؛ بينما يوفِّر متطوِّعون تعليماً غير نظامي في بعضها الآخر. وقد غدا بعض مخيمات اللاجئين بلدات أو مدن صفيح بكل معنى الكلمة، كما عليه حال مخيم الزعتري القائم في شمال الأردن والذي يقيم فيه زهاء 150000 شخص. وقد طُوِّرت في أوساط اللاجئين أنشطة تجارية وورشات للنساء. لكن صعوبة ظروف الحياة تفضي أيضاً إلى ظهور شتى آفات المناطق التي يغيب فيها القانون: نمط العمل المافيوي، وشتى أنواع الاتجار، والبغاء.

إن السوريين المنفيين واللاجئين في شتى أصقاع العالم يُعَدّون بالملايين، وقد قَدِموا من شتى مناطق سوريا وينتمون إلى شتى طوائفها وفئاتها الاجتماعية. لقد غادروا بصورة فردية هرباً من المعارك، ومن القمع، أو بسبب فقد منزلهم، أو ليضمنوا سلامة أسرتهم؛ فيقيمون بكثافة كبيرة في البلدان المجاورة (يشكِّل اللاجئون السوريون في لبنان ربع سكانه) لكن يتزايد منذ عام 2015 على الأخص عدد من يَنْشُد منهم، بعد أسفار تنطوي على مخاطر كبرى، اللجوء في أوروبا (في المقام الأول إلى ألمانيا أو السويد وإن كانتا الآن بصدد إغلاق حدودهما في وجه اللاجئين). وتبين الإحصاءات أن السواد الأعظم من هؤلاء اللاجئين إلى أوروبا لا يودّون الاستقرار فيها بل يريدون العودة إلى بلدهم فور التمكن من ذلك، ويرغب معظمهم في العودة إلى سوريا وقد رحل منها الأسد. ولا يمكن الحد من هذه الظاهرة إلا بإيجاد حل للأزمة السورية.

المصدر: “استقصاء في أوساط اللاجئين السوريين في ألمانيا” (Survey amongst Syrian refugees in Germany)، adoptrevolution.com، تشرين الأول/أكتوبر 2015

adoptrevolution.org “استقصاء يبيِّن أن أغلبية اللاجئين السوريين في أوربا فرّوا من نظام الأسد لا من داعش”

(Majority of Syrian refugees in Europe are running from the Assad regime, not Isis, says survey)

lexpress.fr “سوريا: آخر الناجين من أهالي حلب”

(Syrie: les derniers survivants d’Alep)

النص المحدَّث في 2017/06/06 par Marie-Claude Slick