ثالثاً ـ من المواجهة الإقليمية إلى النزاع الدولي …

ثم إن القوى العالمية أتت لتحقِّق مراميها الخاصة على أساس توازن القوى هذا مضفيةً على النزاع الدائر مزيداً من التعقيد.

الداعمون الدوليون

المصدر: “الإلمام بالوضع السوري في خمس دقائق” (Comprendre la situation syrienne en 5 minutes)، لوموند (Le Monde)، تشرين الأول/أكتوبر 2015

ماذا تفعل روسيا؟

إن روسيا شريك لسوريا منذ خمسينيات القرن العشرين. ففي غمرة الحرب الباردة أُبرِم في عام 1956 أول عقد متعلق بالتزويد بالسلاح بين موسكو ودمشق، وقام تعاون وثيق بينهما على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. وإبّان انهيار الاتحاد السوفييتي، تناقص دعم روسيا لسوريا، لكن وصول فلاديمير بوتن إلى السلطة، وهو الراغب في إعادة توطيد القوة الروسية في الشرق الأوسط، جعل العلاقات بين البلدين تتعزَّز من جديد. وإبّان اندلاع الثورة في سوريا، راحت موسكو تدعم بشار الأسد، آخر حليف لها في المنطقة وعميلها الرئيس. وشَلَّت روسيا المبادرات الدولية في الشأن السوري باستعمالها المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضد أي إدانة لنظام دمشق أو أي تدبير عقابي يستهدفه. وتقوم موسكو، مستغّلةً التقاعس الأمريكي، بتنظيم اجتماعات لـ”معارضين” يمكن أن تقبلهم دمشق في محاولة منها لإيجاد حل سياسي لكن هذه الاجتماعات لا تفضي إلى شيء بسبب عدم شرعية الشخصيات التي تيمِّم صوب العاصمة الروسية وعدم تمتعها بأي صفة تمثيلية.

وأدى بروز الجماعات المتشدِّدة وداعش إلى تعزيزِ وتسهيلِ الدعم الروسي للنظام السوري، نظراً إلى شدة خشية موسكو من أن يبلغ الإسلاميون المتشدِّدون جمهوريات آسيا الوسطى – فذكرى الشيشان لـمّا تزل حية في الأذهان. ولئن كانت روسيا تبدي ضرباً من الضجر إزاء بشار الأسد فإنها تظل رغم كل شيء حريصة عليه شخصياً باعتباره يجسِّد بقايا دولة ينهار سائر مقوِّماتها.

وفي أيلول/سبتمبر 2015 جاوز الانخراط الروسي في النزاع في سوريا عتبة أخرى. فأصبحت موسكو طرفاً محارباً وأخذت تقصف مباشرة أهدافاً في الميدان، مدَّعية رسمياً أنها تفعل ذلك في إطار مكافحة الإرهاب. والواقع أنها تهاجم في المقام الأول المجموعات المسلَّحة للمعارضة المعتدلة، بما فيها المجموعات التي تحظى بدعم الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى. لقد استخدمت روسيا طيرانها لقصف مناطق مدنية (حلب على الخصوص) فلم تتورع عن استهداف المستشفيات نافية في الوقت نفسه أنها تفعل ذلك، ولتساند حركة قوات النظام وأعوانه (حزب الله، والميليشيات الشيعية العراقية، والهزارة الأفغان). وأقامت، إلى جانب قاعدتها القديمة القائمة في طرطوس، قاعدة جوية في حُمَيْميم. إن انخراطها المتزايد هذا في النزاع يقوّي إلى حد كبير بشار الأسد – الذي كان في موقف صعب – لكنها لا تتوصل به إلى ضمان انتصاره.

lejdd.fr – سوريا: نداء الاستغاثة الذي أطلقه العاملون في مجال المساعدة الإنسانية (Syrie : l’appel de détresse des humanitaires)

وإذ يعدِّل القصف الروسي توازن القوى في الميدان فإنه يمثِّل أيضاً تمهيداً لمباحثات يُحتمل إجراؤها. فيُفترض أن تسجيل النظام السوري انتصارات قبل العودة إلى مائدة المفاوضات سيمكِّنه من فرض شروطه. وقد بدا ذلك جلياً إبّان المفاوضات التي عُقدت في فيينا بمقتضى القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن التابع الأمم المتحدة: فقد عُني فيها باستبعاد الإشارة إلى مسألة بقاء بشار الأسد أو عدم بقائه، مع العلم بأنه يتحمَّل جُلَّ المسؤولية عن المجازر التي ارتُكبت بحق المدنيين وعن نزوح المهاجرين.

وتسعى موسكو في الوقت نفسه إلى استغلال انشغال العالم بمكافحة الإرهاب، انشغالاً اشتدّ كثيراً بعد العمليات الإرهابية التي ارتُكبت في باريس في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، لإعادة تأهيل بشار الأسد بضمه إلى التحالف ضد داعش. إنها بذلك لا تأبه أبداً لمسؤولية النظام السوري عن نمو النزعة الجهادية في البلد.

والواقع أنه لا يُتَصَدّى أيَّ تصدٍ للحزم الذي يبديه فلاديمير بوتن في هذا الشأن. فانعدام المشيئة لدى الغرب فيما يخص الأزمة السورية يترك فراغاً يشغله بوتن. وهكذا سمعناه يعلن في 19 كانون الأول/ديسمبر 2015، إعلاناً لم يثر أي رد يُذْكَر، أنه يمكن أن يستخدم المزيد من الوسائل العسكرية في سوريا.
وفي 14 آذار/مارس 2016 أعلنت روسيا عن انسحابها من سوريا. والحقيقة أن الأمر يتعلق بتخفيض محدود لعديد قواتها في سوريا، يبدو أنه لم يقلِّص قوتها الضاربة أيَّ تقليص فعلي. ويجوز الاعتقاد بأن هذا الإعلان يتأتى عن اعتبارات سياسية، إما داخلية (عدم إعطاء أهالي روسيا الانطباع بأن بوتن ينخرط في أفغانستان ثانية) أو خارجية (الضغط على بشار الأسد لكي يقبل الانخراط في جولة المفاوضات “جنيف 3”).

وأياً كانت الحال في هذا الخصوص فإن روسيا لمّا تزل حاضرة في سوريا. وما من شك في أن تدخلها أنقذ النظام الذي كان يتقهقر في الميدان، على الرغم من المساعدة الخارجية التي تقدِّمها إليه إيران. ولئن كان فلاديمير بوتن يقول، على غرار الرئيس أوباما، بأنه لا يمكن أن يكون هناك من حل للأزمة إلا الحل السياسي، فمن الواضح أنه راهن على الحل العسكري من أجل التوصل إلى الحل السياسي الذي يلائمه. وهو من ناحية أخرى أجبر الولايات المتحدة الأمريكية على أن تعترف به باعتباره شريكاً لا مندوحة عنه في سوريا.

ففي صيف عام 2016 أعلن فلاديمير بوتن والرئيس التركي أَرْدُغان تصالحهما (كان الخصام بينهما يتصل بإسقاط الدفاع الجوي التركي طائرة روسية كانت في مهمة في سوريا). فأيدت روسيا دخول تركيا إلى سوريا، متخلية بذلك عن القوات التابعة لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي” (PYD) الكردي.

وفي نهاية عام 2016 أسهمت روسيا  في سقوط حلب الشرقية إسهاماً واسع النطاق، من خلال عمليات القصف التي قامت بها. فهي التي تفاوضت، مع تركيا، بشأن هدنة (على نحو وُسِّع نطاقه ليشمل إيران خلال المفاوضات التي جرت في أستانة في كانون الثاني/يناير 2017). ثم إنها هي التي وجَّهت، مع منظمة الأمم المتحدة (عن طريق اسْتافان دي مِستورا)، استئناف المفاوضات في جنيف في شباط/فبراير 2017، مستفيدة في ذلك من انسحاب الولايات المتحدة بعد انتخاب دونالد اتْرَمْب.

ومنذئذ يعوِّل فلاديمير بوتن على استغلال سقوط حلب الشرقية، الذي يمثِّل له انتصاراً كبيراً. وهو، خلافاً لحال نظام الأسد وإيران، لا يولي الأولوية لاستعادة السيطرة على كل سوريا بل للتفاوض بشأن حل سياسي. فمن شأن هذا الحل أن يوطّد ما كسبه منذ تدخله في أيلول/سبتمبر 2015 بكلفة بشرية (لا ريب أنها أكبر من مقدَّرها) وكلفة مادية يمكن تحملهما.

فالأهداف التي ينشدها السيد بوتن كانت تتمثل فيما يلي: 1) تثبيت النظام الذي كان ينهار قبل تدخله، 2) استعادة روسيا موقعها السابق بصفتها طرفاً فاعلاً رئيسياً على الساحة الدولية ووسيطاً لا غنى عنه في الشرق الأوسط، 3) التوصل بذلك إلى إنهاء العزلة التي سببتها له العقوبات التي فُرضت عليه إثر ضمه منطقة القُرْم والحرب في شرق أُكرانيا. إن الهدفين الأولين من هذه الأهداف قد تحققا. فبوتن، الذي يتجهز لانتخاب رئاسي في العام المقبل، يعلم أنه يُحتمل أن ينظر أهالي بلده إلى أي إطالة لأمد الحرب في سوريا نظرةً سيئة (غدا 20% من الروس يعتقدون أن انخراط روسيا العسكري في سوريا ليس له أي معنى: انظر هذا المقال “هجوم الولايات المتحدة على سوريا يشدّد دعم الكرملين للأسد

(US Attack on Syria Cements Kremlin’s Embrace of Assad)

على الرغم من هذا الهدف السياسي، واصلت روسيا مساعدة النظام على قصف مواقع الثوار في منطقة إدلب، وكذلك في أطراف دمشق، وفي جنوب سوريا، وفي منطقة حماه.

وذلكم ما يجعل بعض المحلِّلين الروس يقولون إنه كلما زاد دعم روسيا للأسد زاد اعتمادها عليه. فمن البيّن أنه ليس بوسع روسيا أن تفرض مشيئتها على نظام الأسد وذلك على الأخص لأنها تصطدم بإيران التي لا تنشد الأهداف نفسها. ففي جنيف لم تحصل روسيا على أدنى تنازل من بشار الأسد، الذي لا ينوي الانسحاب عند نهاية العملية الانتقالية. ويبدو أن روسيا غدت تدافع عن هذا الخط أيضاً، بعد أن أمكن الظن منذ بضعة أشهر أنها أكثر مرونة في هذا الشأن.

بيد أنه لا مُشاحّة في أن هجمات الأسد بالأسلحة الكيميائية على خان شيخون قد أضعفت موقف روسيا. وذلك يُعزى أولاً إلى الاشتباه في أن الروس كانوا على علم بأن النظام يحتفظ بمخزونات من غاز السارين في قاعدة الشُعيرات (حيث كانت توجد قوات لهم هم)، ما يشكل انتهاكاً للتعهدات التي قطعها النظام على نفسه عند انضمامه إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية؛ مع العلم بأن روسيا انخرطت عام 2013 في عملية تدمير مخزونات سوريا من الأسلحة الكيميائية، ما يجعلها تتحمل مسؤولية في هذا الصدد. ويُعزى ثانياً إلى أن التدخل الأمريكي بتاريخ  6 نيسان/أبريل 2017، أياً كان مدى محدوديته، يبين أنه لم يعد بمقدور روسيا أن تتصرف في سوريا على هواها وأنه يتعيَّن عليها من جديد أن تحسب حساب الولايات المتحدة.

وعِلاوةً على ذلك يتوجب على روسيا أن تدير علاقاتها مع بلدين كانت تعتقد أنها كسبتهما لجانبها، ألا وهما تركيا وإسرائيل. فتركيا قبلت أن تغض الطرف عن سقوط حلب الشرقية مقابل تدخلها في سوريا لمنع “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي من الوصل بين “الأقضية” الكردية الثلاثة في سوريا. بيد أن دخول الروس إلى عفرين (القضاء الكردي الأكثر قُصُوّاً إلى الغرب، قرب حلب) في 21 آذار/مارس 2017 حال دون توسيع تركيا لمواقعها باتجاه الغرب. أما إسرائيل فبدا أنها عقدت اتفاقاً سرياً مع روسيا منذ التدخل الروسي، يسمح لها بأن تقصف القوافل السورية المخصًّصة لحزب الله. والحال أن دمشق ردّت في 17 آذار/مارس 2017 على قصف إسرائيلي بإطلاقها ثلاثة صواريخ. وأبدت روسيا امتعاضها باستدعائها سفير إسرائيل في موسكو. وهكذا يجوز التساؤل عمّا إذا لم تكن تركيا وإسرائيل مسرورتين بإمكان عودة الولايات المتحدة إلى الانخراط في النزاع السوري.

النص المحدَّث في 2017/06/12

خط الولايات المتحدة الأمريكية الأحمر

لم تلبث الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية أن رأت أن على الأسد أن يتخلّى عن السلطة لإنهاء العنف الذي كانت تشهده سوريا. وأعلنت واشنطن وبعض العواصم الأخرى في عام 2012 أنها تريد أن تنظِّم دعمها للانتفاضة لكن المجموعات العاملة في الميدان لم ترَ وصول العون الموعود.

لقد تجلّى تهافت الموقف الأمريكي على الأخص بعد استعمال قوات بشار الأسد الأسلحة الكيميائية موديةً بحياة 1700  مدني في 21 آب/أغسطس 2013، ما آذن بمنعطف في النزاع السوري. فقد كان باراك أوباما أعلن أن استعمال النظام للأسلحة الكيميائية يمثل خطاً أحمر، وبالتالي أنه، فور تقديم البرهان على استعماله إياها، ستوجَّه ضربات إلى أهداف معيَّنة. والحال أنه، بينما كان العالم ينتظر بدء الضربات في أيلول/سبتمبر 2013، تراجع الرئيس الأمريكي مانحاً بشار الأسد “الحق في القتل”. إن أوباما نفسه اعترف، في تصريح علني أدلى به في نهاية عام 2014، بأنه “ليس للولايات المتحدة الأمريكية من استراتيجية فيما يخص سوريا”. ويجب إضافة أن جيش النظام قام مرّات عديدة، بعد إبرام الاتفاق عن تفكيك أسلحته الكيميائية، بإلقاء براميل متفجرة تحتوي على الكلور على مناطق معيَّنة، وذلك على الرغم من إدانة الولايات المتحدة الأمريكية لهذه الأعمال.

انظر التسجيل الفيديوي الذي يظهر فيه أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي وهو يشجب الاستراتيجية التي يتّبعها بلده فيما يخص سوريا

ويتأتى هذا الموقف السلبي عن رفض الرئيس الأمريكي، الذي انتُخب لكي يسحب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان، الانخراط في الشرق الأوسط. وهكذا ظل الدعم المقدَّم إلى المعارضة السورية رمزياً وفي حده الأدنى.

لكن إذا كان باراك أوباما يفتقر إلى المشيئة فيما يخص الأزمة السورية فقد تعيَّن عليه أن يهتم بواحد من جوانبها: هو نمو الظاهرة الجهادية. وفي هذا الصدد صُدم الأمريكان بإقدام داعش على إعدام أحد رعاياهم، هو جيمس فولي (James Foley)، في آب/أغسطس 2014. ولم تلبث الولايات المتحدة الأمريكية في الشهر التالي أن بدأت حملة قصف ضد داعش في العراق وفي سوريا. ولم تفلح هذه الحملة في الحد من توسُّع داعش الجغرافي، وهي لا تندرج في إطار أي استراتيجية سياسية.

وإزاء حالات جمود الأوضاع في الميدان والحزم الذي تبديه روسيا في دعم بشار الأسد، تعيَّنت العودة إلى المفاوضات في نهاية عام 2015. فأجرى جون كيري سلسلة من المشاورات، ميمِّماً صوب موسكو على الخصوص. لقد قلَّص الأمريكان مطالبهم لكي يقترب موقفهم من موقف الروس. وأتاح ذلك وضع جدول زمني للانتقال السياسي، يشوبه قدر من الغموض ليس بقليل (ولا سيّما فيما يخص دور بشار الأسد في الانتقال المعني) لنيل موافقة جميع أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. لكن الشكوك ظلت تكتنف تطبيق هذا الاتفاق، كما اعترف به جون كيري نفسه.

وفي عام 2016 واصلت الولايات المتحدة الأمريكية اتّباع سياستها الغامضة فيما يخص سوريا. فلئن كان الأمريكان قد استداموا بوجه عام خطابهم فيما يخص تعذُّر بقاء بشار الأسد في السلطة لمدة تتخطّى الفترة الانتقالية فإنهم ظلوا يتفاوضون مع الروس الذين يقولون ببقائه في سدّتها (عُقدت في الأشهر الأخيرة لقاءات كثيرة بين كيري ولافروف). وبعد فشل الهدنة التي عُقدت برعاية واشنطن وموسكو في 9 أيلول/سبتمبر 2016، بدا أن الولايات المتحدة تنأى بنفسها عن الأمر أكثر فأكثر.

وكذلك أوقف الأمريكان، مرّات عديدة، توريد الأسلحة للمعارضة المسلَّحة بغية دفع المعارضة السياسية إلى جولة المفاوضات المسمّاة “جنيف 3”. وعلى الرغم من عمليات القصف المستمر الذي يستهدف الأهالي المدنيين والمستشفيات فإنهم ظلوا يرفضون تسليم الثوار المقاتلين منظومات الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف (MANPADS) التي كان من شأنها أن تتيح لهم الدفاع عن أنفسهم.

لقد ظلت مكافحة داعش تحظى بالأولوية لدى الأمريكان. وهم من هذا الباب سرعان ما أبرموا اتفاقات “عدم التصادم” مع الروس تفادياً للحوادث الجوية. ثم إنهم دعموا الأكراد (“وحدات حماية الشعب”) و”قوات سوريا الديمقراطية” (المؤلَّفة من أكراد وعرب سوريين) بدلاً من أن يدعموا الثوار. وكان لا مناص من أن تثير هذه النقطة الأخيرة مشكلة لأن “وحدات حماية الشعب” الكردية هاجمت مرات عديدة مجموعات للثوار تدعمها “وكالة الاستخبارات المركزية”.

أما الأولوية الأخرى، التي كان يُشتبه بوجودها حتى ذلك الحين، والتي كشف عنها أحد مستشاري أوباما، فتتمثل في الاتفاق بشأن السلاح النووي الإيراني. إن هذا الاتفاق كان دائماً يتقدم على المسألة السورية لدى أوباما وهو الذي حال دون إقدام أوباما على العمل. وذلك لأنه كان يخشى أن يفضي اتخاذُه أي تدبير في سوريا معادٍ للأسد على نحو صريح إلى جعل إيران تغادر مائدة المفاوضات قبل إبرام الاتفاق بشأن أسلحتها النووية، ثم إلى جعلها تفسخه بعد إبرامه. فلم تقع حتى الآن إلا حالة وحيدة هدَّدت فيها الولايات المتحدة الأمريكية النظام تهديداً صريحاً خلال صيف عام 2016 في منطقة الحسكة عندما هاجم الطيران السوري مجموعات كردية يدعمها الأمريكان (تضم في صفوفها مستشارين أمريكيين).

إن سياسة أوباما هذه لم تحظَ بتأييد إجماعي. فقد نشر 51 دبلماسياً أمريكياً نصاً يُبدون فيه عدم موافقتهم على السياسة المتّبعة في الشأن السوري ويوصون بتهديد النظام بعمل عسكري. انظر النص المعني هنا.

أما انتخاب دونالد اتْرَمْب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 فقد أدى إلى تهميش روسيا لدور الولايات المتحدة الأمريكية في الشأن السوري. فالأمريكان لم يحرّكوا ساكناً حيال سقوط حلب الشرقية، ولم يشاركوا في مفاوضات الهدنة التي عقدها الروس والأتراك، ولم يحظوا إلا بممارسة دور ثانوي في المفاوضات التي دارت في أستانة وفي جنيف.

وبدا أن الموقف الأمريكي في ظل إدارة اتْرَمْب 1) يعطي الأولوية لمكافحة الدولة الإسلامية، وذلك على الأخص ببدء عملية استعادة الرقّة، 2) يترك أمر إدارة الملف السوري للروس.

وثمة أفعال وتصريحات عديدة أدت إلى تكوُّن انطباع بأن الولايات المتحدة قد غيرت سياستها في سوريا (التي كانت في جوهرها إبان عهد أوباما سياسة كلامية، لكن ظلت تقول بفكرة وجوب تنحي بشار الأسد). لقد ساعد الطيران الأمريكي القوات السورية – الإيرانية – الروسية على استعادة تدمر في 2 آذار/مارس 2017. ومن ناحية أخرى تدخل الأمريكان في منبج (في 4 آذار/مارس 2017) ليحتلوا مواقع فيما بين الأتراك والأكراد، حائلين بذلك دون استمرار تقدم عملية “درع الفرات”. وإضافة إلى ذلك صرح وزير الخارجية الأمريكي رِكْس تيلِرسون (Rex Tillerson)، في نهاية آذار/مارس 2017، بأنه سيعود للسوريين تقرير مصير الأسد، بينما أشارت نيكي هالي (Nikki Haley)، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، إلى أن الأمر ذا الأولوية لدى الأمريكان لم يعد يتمثل في رحيل بشار الأسد.

وكل الدلائل تحمل على الاعتقاد بأن النظام السوري فسَّر ذلك كلَّه على أنه شكل من أشكال قبول الولايات المتحدة بواقع الحال التي خلقها بمساعدة من راعييه الروسي والإيراني. وهذا على الأخص ما يعلِّل إقدام النظام السوري على شن هجماته الكيميائية بغاز السارين على خان شيخون في 4 نيسان/أبريل 2017 (انظر مقالاً ذا صلة عبر هذا الرابط). ومن الجلي أنه لم يتصوَّر مدى السخط الذي سيثيره استعماله أسلحة محظورة، يُفترض أنه تخلَّص منها بعد انضمامه في أيلول/سبتمبر 2013 إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية، كما لم يكن يتصوَّر أن الرئيس الأمريكي الجديد سيأمر في 6 نيسان/أبريل 2017 بإطلاق 59 صاروخاً من صواريخ توماهوك (Tomahawk) على قاعدة الشُعيرات التي أقلعت منها الطائرات التي قصفت خان شيخون، والتي كانت كميات غاز السارين المحتفَظ بها مخزونة فيها.

إن هذا الرد السريع الصارم الهادف يضع حداً لست سنوات من التقاعس الأمريكي. لكن لـمّا يزل من غير المعروف ما إذا كان هذا الرد يؤذن باتّباع الولايات المتحدة الأمريكية سياسة جديدة في الشأن السوري. فلئن صدرت عن شتى الأطراف في الإدارة الأمريكية تصريحات متخالفة – حيث ذهبت السفيرة هالي إلى حد الحديث عن ضرورة “تغيير للنظام” (regime change) في سوريا” – فإن السياسة المتّبعة منذ شن هذه الضربات تبدو في المقام الأول سياسة حذرة. وقد تجسَّدت في المزيد من توتر العلاقات مع روسيا (التي كانت في الواقع تنتظر الكثير من اتْرَمْب) دون أن يبلغ ذلك حد القطيعة (فقد عِيد سريعاً إلى العمل بالاتفاق بشأن “عدم التصادم” المرمي منه إلى تفادي حالات التصادم بين طائرات التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية والطائرات الروسية، هذا إذا كان العمل به قد عُلِّق حقاً).

لقد بات على الولايات المتحدة الأمريكية أن تبتّ فيما يلي:

1)         ما إذا كانت ستضرب سوريا من جديد في حالة انتهاكها معياراً من المعايير الدولية أم ما إذا كانت ضربة قاعدة الشعيرات ستبقى ضربة منفردة؛

2)         ما إذا كانت تعتزم، كما يرجَّح، العودة إلى المفاوضات الجارية في جنيف، بل والمفاوضات الجارية في أستانة، لكي تؤثّر في حل النزاع السوري الحلَّ السياسيِّ المحتمل؛

3)         ما الذي ستفعله بالمناطق المستعادة من الدولة الإسلامية على امتداد نهر الفرات؛ فقبل 4 نيسان/أبريل 2017، صدرت إشارات كثيرة تحمل على الاعتقاد بأن هذه المناطق ستعاد إلى النظام؛ ويبدو أن ذلك لم يعد أكيداً إلى هذه الدرجة، إذ يمكن أن ينيط الأمريكان أمر إدارة هذه المناطق بقوات محلية معتدلة معادية للنظام؛

4)         ما إذا كانت تريد مساعدة المعارضة باستئناف تقديم دعمها إلى فصائل منتقاة دربتها وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع الأمريكيتان.

وتلكم مسائل ستتعيَّن متابعة كل منها بعناية خلال الأسابيع المقبلة.

ثمن الإحجام عن التدخّل

كثيراً ما نسمع القول بأن التدخل في ليبيا يبرِّر عدم التدخل في سوريا. بيد أن مقارنة الأرقام التالية تفضي إلى استنتاج مختلف تماماً:

ليبيا بعد عام 2011سوريا بعد عام 2011
5777 قتيلاً (1) 330381 قتيلاً (3)
8087 لاجئاً (2) 4088078 لاجئاً (4)

أي إن عدد القتلى في سوريا بلغ 60 ضعفاً من أضعاف عددهم في ليبيا وعدد اللاجئين السوريين بلغ 600 ضعف من أضعاف عدد اللاجئين الليبيين.

المصادر:
(1) “مشروع تعداد الضحايا في ليبيا” (The Libya Body Count Project)
(2) بحسب الأرقام التي أفادت بها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في نهاية عام 2014
(3) بحسب الأرقام التي أفاد بها المرصد السوري لحقوق الإنسان في آب/أغسطس 2015
(4) بحسب الأرقام التي أفادت بها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في آب/أغسطس 2015

النص المحدَّث في 2017/06/12

ماذا عن أوروبا؟ أيَّ موقف تقف فرنسا؟ من أيِّ ناحية يعنيها الأمر؟

يتبدّى على نحو أوضح فأوضح أن قوتين متزاوجتين تتوليان إدارة الأزمة السورية: روسيا من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى. ويبدو أن كلاً منهما غدا لا يريد التعامل إلا مع الآخر، باستبعاد سائر الشركاء.

بيد أن التوازن بينهما مختلّ اختلالاً بعيد المدى، كما رأينا. ففلاديمير بوتن، الراغب في استعادة المكانة المحورية التي كانت تتمتع بها روسيا، توصَّل بفضل الأزمة السورية إلى إرساء تحاور منتظم مع الولايات المتحدة الأمريكية على قدم المساواة. لقد تنازل أوباما طوعاً عن هذا الدور لروسيا، التي غدت لها اليد الطولى فيما يخص الأزمة التي يعتبرها الرئيس الأمريكي أزمة ثانوية.

فما هي مكانة أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً في هذا السياق؟

إن أوروبا منقسمة فيما يخص السياسة الواجب اتّباعها في الشأن السوري. وهي تجد نفسها مشلولة في ظل عدم توافق الآراء في هذا الصدد.

وبالتالي تنفرد فرنسا في تحديد سياستها ذات الصلة. ويناط بها في الشأن السوري دور خاص ولها معرفة حقيقية بسوريا وبالنظام السوري. فقد شهد تاريخ علاقتها بسوريا محاولات منها عديدة لإعادة عقد الحوار، دون أن تفلح في ذلك. ولذا فإنها تعي حدود مسعاها وحدود قدرة النظام السوري على أن يصلح نفسه.

لقد أدّت فرنسا دوراً دافعاً في الأشهر الأولى من الأزمة السورية. ومن ذلك على الأخص أنها أدانت قمع بشار الأسد للمتظاهرين إدانة صارمة، وأتاحت الاعتراف بالمعارضة السورية (“المجلس الوطني السوري” ثم “ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية”). وهي بوجه عام ثابتة على النداء بخطاب قائم على الواقعية السياسية، مفاده أن الرهان على بشار الأسد لا يمكن لا أن يؤتي الاستقرار في المنطقة ولا أن يضع حداً للحرب الأهلية ولا أن يؤدي إلى الانتصار على داعش. ونجحت فرنسا جزئياً في إقناع شركائها الغربيين بالحجة القائلة بأنه “لا بشار ولا داعش”.

لكن الأزمة التي شهدها صيف عام 2013 بيَّنت أن فرنسا، التي تتقدم على غيرها فيما يخص هذا الملف، لا تمتلك الوسائل اللازمة التي تتيح لها العمل منفردة. فعندما اعتُزم توجيه ضربات إلى النظام في آب/أغسطس ـ أيلول/سبتمبر 2013 رداً على هجماته بالأسلحة الكيميائية، كانت فرنسا جاهزة للمشاركة في ذلك لكن تراجُع واشنطن حال دون عملها.

إن مثابرةَ فرنسا على النداء بخطابها الثابت في الشأن السوري، المتصوَّر أنه صارم، وطروءَ إشكالية الإرهاب، أسهما في عزلها فيما يخص سياستها في هذا الشأن.

وفي أعقاب العمليات الإرهابية التي وقعت في كانون الثاني/يناير وتشرين الثاني/نوفمبر 2015 في باريس، وتدفق اللاجئين، اضطُرت فرنسا إلى الاستجابة للرأي العام فيها الذي أخذ يساوره القلق، وإلى إعادة ترتيب أولوياتها. إنها حزمت أمرها منذ أيلول/سبتمبر 2015 إذ قرَّرت القيام مع التحالف بتوجيه ضربات في سوريا ضد داعش. لكن عزلتها السياسية في الشأن السوري تجعلها لا تفلح في إعمال استراتيجية أوسع نطاقاً.

lexpress.fr ــ التدخل الفرنسي في سوريا: “الضربات التي تستهدف داعش تؤتي نتائج عكسية”

(Intervention française en Syrie: « Les frappes contre Daech sont contreproductives »)

ومن ناحية أخرى لم تعد مسألة رحيل بشار الأسد تُطرح باعتبارها المسألة ذات الأولوية. ولا يزال يُطالب برحيله، لكن عند انتهاء عملية التفاوض لا عند استهلالها.

واليوم غدت فرنسا مستبعَدة من إطار تسوية الأزمة السورية. ففي أيلول/سبتمبر 2015 صرّح بان كي ـ مون في الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن مفتاح إنهاء النزاع السوري هو في يد خمسة بلدان: روسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية، وإيران، وتركيا. ففرنسا ليست في عِداد هذه البلدان. ثم إنها لم تشارك في الجولات الأخيرة من المفاوضات التي عُقدت في لوزان.

بيد أن تشخيص فرنسا للأزمة السورية، ومعرفتها بسوريا، وما تشهده اليوم من تدفق للاجئين ومن هجمات إرهابية، يجعل من المتعذر عليها أن تصرف اهتمامها عن هذه الأزمة. فيتعيَّن عليها التوصل إلى إقناع شركائها بإلحاح العمل لوضع حد لهذا النزاع، الذي قد تجلّى الطابع المأسوي لتبعاته في أوروبا.

النص المحدَّث في 2017/06/12

جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة: لماذا أخفقت الوساطات الدولية المختلفة؟

إن الموقف المتشدِّد الذي يتخذه النظام يحول في الوقت الحاضر دون نجاح أي وساطة. لقد بُذلت محاولات عديدة. ففي الخطة الأولى التي اقترحتها جامعة الدول العربية في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، طُلب من النظام أن يشرع في مباحثات جدية مع ممثلي المعارضة. ثم استهلَّت تركيا في شباط/فبراير 2012 مبادرة دولية، إذ اقترحت انتقالاً سياسياً. وفي حزيران/يونيو 2012 اتفقت الدول الأعضاء في مجموعة العمل بشأن سوريا (الصين والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة وروسيا، وتركيا والكويت وقطر) على المبادئ التي تقوم عليها عملية انتقال سياسي يتولّى أمرها السوريون: تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإجراء إصلاحات دستورية، وتنظيم انتخابات حرّة وعادلة. وقد وُقِّع البيان ذو الصلة في ختام المؤتمر الدولي الأول المعني بسوريا، المسمّى “جنيف 1”.

وعُقد مؤتمر جنيف الثاني (“جنيف 2”) في شباط/فبراير 2014. فقبل وفد النظام ووفد المعارضة بمرجعية وثيقة “جنيف 1″، لكن عدم اتفاقهما تمثل في كون المعارضة أرادت بدء الاجتماع بتناول مسألة تشكيل هيئة الحكم الانتقالية وأراد النظام الاقتصار على تناول مسألة الإرهاب. إن النظام، بعمله على جعل المباحثات لا تتناول إلا موضوع الإرهاب، أراد الالتفاف على الهدف الحقيقي من المفاوضات ألا وهو التوصل إلى حل للنزاع السوري. لقد قوَّض وفد النظام أساس التفاوض بوصفه المعارضين بأنهم “حشرات”، “إرهابيون”، “يلوِّثون” الأرض التي يجب “تطهيرها منهم”. فتلكم مفردات تذكِّر بالأوقات المظلمة التي شهدها التاريخ الأوروبي، وهي على الأخص لا تدل على أي رغبة من النظام في التوصُّل إلى اتفاق.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2014، اقترح اسْتافان دي مِستورا (Staffan de Mistura)، المبعوثُ الخاص للأمم المتحدة المعني بسوريا منذ تموز/يوليو 2014، استحداث مناطق لـ”تجميد القتال” في حلب وتنفيذ القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبذل جهود دولية لمكافحة الإرهاب في سوريا وفي المنطقة. وأعلن عن عقد مشاورات جديدة، بدءاً من أيار/مايو 2015، مع ممثِّلي النظام وممثِّلي المعارضة وممثِّلي المجتمع المدني، كل على حدة، ومع الأطراف الفاعلة الإقليمية. وقال إن إيران، التي كانت قد استُبعدت من المؤتمرين الدوليين السابقين اللذين عُقدا في جنيف، ستُدعى إلى المشاورات المعنية.

إن اسْتافان دي مِستورا هو ثالث مبعوث للأمم المتحدة معني بسوريا بعد الأخضر الإبراهيمي وكوفي عنان. وقد استقال مبعوثُها الأخيرُ الذكرِ بعد خمسة أشهر من توليه مهامّه بينما كان قد اقترح خطة بست نقاط تنص على وقف القتال وعملية انتقال سياسي. فهذا الأمين العام السابق للأمم المتحدة فضَّل الانسحاب في ظل انعدام الدعم الدولي لخطته ــ إذ أن روسيا والصين استعملتا حق النقض بصددها.

أما الأخضر الإبراهيمي، الذي تولى الملفّ السوري من آب/أغسطس 2012 حتى أيار/مايو 2014 بصفته مبعوثاً خاصاً للأمم المتحدة وللجامعة العربية، فقد تخلى عن مهمته لأنه رأى “أن أهم أطراف النزاع داخل سوريا أولاً ــ ويجب القول خارجها أيضاً ــ لا يزالون يرمون إلى تحقيق نصر كامل”.

Orient XXI ــ مقابلة مع الأخضر الإبراهيمي، 18 آذار/مارس 2015: orient xxi.info

المفاوضات في أستانة وفي جنيف

بعد فشل المفاوضات التي عُقدت في جنيف في نيسان/أبريل 2016، بوشرت محادثات جديدة في أستانة عاصمة جمهورية كازاخستان في 23 كانون الثاني/يناير 2017 بحضور وفد للمعارضة السورية ووفد لنظام دمشق. ويدلّ تغير العاصمة المستضيفة على توازن القوى الجديد، ويكرِّس دور روسيا كما يكرِّس دور إيران ودور تركيا. إن جولة المفاوضات الجديدة هذه، التي لم تنظَّم بمبادرة من الأمم المتحدة، افتُتحت بعد شهر من سيطرة قوات النظام بدعم من حلفائه على حلب. واستهدف هذا اللقاء توطيد وقف اتفاق إطلاق النار الذي عُقد في 30 كانون الأول/ديسمبر 2016 لكنه خُرِق بانتظام. وتريد المعارضة تحسين وصول المساعدة الإنسانية إلى الأهالي وإتاحة الإفراج عن السجناء، بينما يريد ممثلو النظام استسلام المعارضة التي يصمونها بالإرهاب. وقد اختُتمت المفاوضات المعنية بإقامة آلية لمراقبة الهدنة اتُّفق عليها في نهاية كانون الأول/ديسمبر 2016.

وفي 23 شباط/فبراير 2017 افتُتحت جلسة جديدة من جلسات المفاوضات في جنيف نظمها المبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بسوريا، اسْتافان دي مِستورا، بحضور وفد للحكومة السورية ووفد للهيئة العليا للمفاوضات التي تجمع في إطارها مختلف مجموعات المعارضة. ويُفترض أن تتناول المباحثات أشكال الحوكمة المقبلة في سوريا، وإعداد دستور جديد، وعقد انتخابات بإشراف الأمم المتحدة. وتمثل العملية الانتقالية – أي مسألة بقاء بشار الأسد أو عدم بقائه – موضوعاً يثير التوتر بين الجانبين. ففيما يخص النظام يعني الانتقال بعض الإصلاحات وضم بعض المعارضين القريبين من الروس إلى حكومته، بينما ترى المعارضة أن الأسد لا يجوز أن يكون جزءاً من الحل أو أنه، على الأقل، يجب أن يرحل عند نهاية العملية.

وفي 23 آذار/مارس 2017 جرت مباحثات جديدة في جنيف وفق جدول أعمال يتضمن أربعة بنود: مكافحة الإرهاب، والحوكمة، والدستور الجديد، وعقد انتخابات. ولمّا كان الوفدان يرفضان التحادث وجهاً لوجه فإن مبعوث الأمم المتحدة يتنقل من أحدهما إلى الآخر محاولاً التوصل إلى اتفاق. وتكمن الصعوبة في أن النظام، محاطاً بدعم لا يني من حليفيه الروسي والإيراني، يشعر أنه في موقع قوة فيرفض تقديم أي تنازل، بينما تم إضعاف موقف المعارضة في الميدان، وهي منقسمة ويتضاءل الدعم الذي يقدّمه إليها حلفاؤها الإقليميون والغربيون. وفي هذه الظروف يصعُب التوصل إلى اتفاق سياسي.

النص المحدَّث في 2017/06/22